فخر الدين الرازي
16
تفسير الرازي
وجهان : الأول : أنه تعالى أنزل بهم عقوبة شديدة بسبب أنهم أتوا بمعصية شديدة فيكون العقاب * ( وفاقاً ) * للذنب ، ونظيره قوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) والثاني : أنه * ( وفاقاً ) * من حيث لم يزد على قدر الاستحقاق ، ولم ينقص عنه وذكر النحوين فيه وجوهاً : أحدها : أن يكون الوفاق والموافق واحداً في اللغة والتقدير جزاء موافقاً وثانيها : أن يكون نصباً على المصدر والتقدير جزاء وافق أعمالهم * ( وفاقاً ) * وثالثها : أن يكون وصف بالمصدر كما يقال فلان فضل وكرم لكونه كاملاً في ذلك المعنى ، كذلك ههنا لما كان ذلك الجزاء كاملاً في كونه على وفق الاستحقاق وصف الجزاء بكونه * ( وفاقاً ) * ورابعها : أن يكون بحذف المضاف والتقدير جزاء ذا وفاق وقرأ أبو حياة * ( وفاقاً ) * فعال من الوفق ، فإن قيل كيف يكون هذا العذاب البالغ في الشدة الغير المتناهي بحسب المدة * ( وفاقاً ) * للإتيان بالكفر لحظة واحدة ، وأيضاً فعلى قول أهل السنة إذا كان الكفر واقعاً بخلق الله وإيجاده فكيف يكون هذا وفاقاً له ؟ وأما على مذهب المعتزلة فكان علم الله بعدم إيمانهم حاصلاً ووجود إيمانهم مناف بالذات لذلك العلم فمع قيام أحد المتنافيين كان التكليف بإدخال المنافي الثاني في الوجود ممتنعاً لذاته وعينه ، ويكون تكليفاً بالجمع بين المتنافيين ، فكيف يكون مثل هذا العذاب الشديد الدائم وفاقاً لمثل هذا الجرم ؟ قلنا يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد . واعلم أنه تعالى لما بين على الإجمال أن ذلك الجزاء كان على وفق جرمهم شرح أنواع جرائمهم ، وهي بعد ذلك نوعان : * ( إِنَّهُمْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ حِسَاباً ) * . أولهما : قوله تعالى : * ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً ) * وفيه سؤالان : الأول : وهو أن الحساب شيء شاق على الإنسان ، والشيء الشاق لا يقال فيه إنه يرجى بل يجب أن يقال : إنهم كانوا لا يخشون حساباً والجواب من وجوه : أحدها : قال مقاتل وكثير من المفسرين قوله لا يرجون معناه لا يخافون ، ونظيره قولهم في تفسير قوله تعالى : * ( مالكم لا ترجون لله وقاراً ) * ( نوح : 13 ) وثانيها : أن المؤمن لا بد وأن يرجو رحمة الله لأنه قاطع بأن ثواب إيمانه زائد على عقاب جميع المعاصي سوى الكفر ، فقوله : * ( إنهم كانوا لا يرجون حساباً ) * إشارة إلى أنهم ما كانوا مؤمنين وثالثها : أن الرجاء ههنا بمعنى التوقع لأن الراجي للشيء متوقع له إلا أن أشرف أقسام التوقع هو الرجاء فسمى الجنس باسم أشرف أنواعه ورابعها : أن في هذه الآية تنبيهاً على أن الحساب مع الله جانب الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف ، وذلك لأن للعبد حقاً على الله تعالى بحكم الوعد في جانب الثواب ولله تعالى حق على العبد في جانب العقاب ، والكريم قد يسقط حق نفسه ، ولا يسقط ما كان حقاً لغيره عليه ، فلا جرم كان جانب الرجاء أقوى في